المنقلب على نفسه

من الطبيعي جداً أن يتأقلم الأنسان مع مستجدات محيطه، فالحياة لا تنتهج وتيرة واحدة، حتى قال بعض علماء الإجتماع إنها الجمع بين متناقضات أو محاولة تقريب المسافة بين الضد والضد. من هنا كان جليَا تلوَن الناس بألف لون واعتمار قبَعات مختلفة الأشكال تتناسب وتبدَل الأيام. لكنَ المستغرب أن يطال هذا التبدَل ثوابت الأنسان التي بنى عليها وجوده، وهي كثبات اسمه وشهرته وهويته الوطنية. وقد يعلن أحدهم موقفا ويحصد عليه "جماهير" مبايعة، ويستميت في تأكيده لعقود من السنوات، حتى أنَه يؤسس تيارا سياسيا مرتكزا على حيثيات هذا الموقف التفصيلية. وبسحر ساحر ومن دون أيَ مقدَمات أو أسباب موجبة، ينتقل الى النقيض، وكأن الموقف التأسيسي لم يكن.

ما كنت لأتناول هذا التطور الدراماتيكي في الموقف، لو كان الأمر متعلَقا بالتكتية أي بالوسيلة المودية الى الهدف، أو بضرورات حتمية متحكَمة بفعل التبدَل نفسه كالخطر على الحياة مثلا. لكنَ المشهد هنا غريب ويدفع الى الدعوة لأعادة النظر في خلفيَات الموقف التأسيسي، ومدى استغلاله من جانب صاحبه لتضليل التابعين له ومغنطتهم. فالجنرال عون أطلق، عندما تولَى الحكومة الإنتقالية التي كانت مولجة فقط الأعداد لانتخابات رئاسية، مجموعة من المواقف تصب في ظاهرها في خانة بناء الدولة وتعييش مؤسساتها ولا سيما الأمنية منها. وأوهم الجميع، بعد ذلك، أنه يخوض حروبه العبثية على هذا الأساس. وخلال أقامته "الجبرية" في باريس – المنفى، توالى حراكه الإعلاني في سلسلة طويلة من التصريحات تمحورت على رفض أي حالة مناقضة للدولة التي ينبغي أن تكون وحدها ضابطة الأرض ومرجعية الشعب. وقد شكَلت هذه الثوابت في ما بعد العمود الفقري للكتاب البرتقالي، "فلسفة عقيدة" التيار الوطني الحر. كما خيضت انتخابات 2005 ببرنامج توسَل "طرح" الدولة ليحصد العدد الأكبر من المقاعد النيابية المسيحية. لكنَ الجنرال، ومن دون إشارات، انقلب على نفسه واستدار بسرعة غير مبررة، فاستبدل أطار صورته أو استبدل صورته نفسها فلم نعد نعرفه، وليس في ذلك مبالغة. ويكفي أن نعيد الى الضوء الموقف المبدئي للجنرال من موضوع "حزب الله" كنقيض للدولة، ونقارنه بما يتحفنا به جنرال اليوم الذي يقدَم تغطية " مميتة " لمشروع هدم الدولة. يقول الجنرال في الـ 2005: "ان اللبنانيين يفضَلون الأمن الشرعي..." و "لبنان كدولة متماسكة وموحَدة يجب فرض سيادته الشرعية على كامل ترابه الوطني..." و "... أن اي ميليشيات تشارك هذه الدولة الأمن والحكم هي ميليشيات يعتبرها الغرب ميليشيات ارهابية" و"ازدواحية الأمن الشرعي والميليشيوي لعبت دورا رئيسا في عدم تشجيع المستثمرين على المجيء الى لبنان كونه دولة غير آمنة وغير مستقرَة" و "استبدال الأمن الشرعي بالأمن الميليشيوي حال دون اجماع الدول المانحة على مساعدة لبنان اقتصاديا وماليا" و "ان الحزب الذي يتولَى الأمن في مناطق لبنانية واسعة... يتمتَع بنفوذ هائل داخل السلطة الى حدَ الإزدواجية" و "ان ازدواجية البندقية الأمنية... دعوة صريحة الى اسرائيل الى عدم الأنسحاب من المزارع" و "ان هدف المقاومة أبعد من لبنان وهي ستلحق بهذا البلد مشاكل خطيرة في المستقبل"... هذه خلاصة موجزة للمواقف الصريحة من "حزب الله" والتي لم تصمد فتحوَلت الى مواقف إنقلابية طغت على ظهوراته المتعاقبة في ما بعد.

ان السؤال البديهي الذي يفرض نفسه في هذا المجال هو الاتي: لمَ كان "حزب الله" لم يحدث أيَ انقلاب جذري في نهجه العام منذ تأسيسه وحتى الساعة وذلك على مستووي أهدافه وارتباطه، فما هي الدوافع الخفيَة التي حدت بالجنرال الى الإنقلاب على موقفه والعبور الى الضفّة المقابلة؟ ان لبنان في نظر "حزب الله" كان وما زال ساحة مواجهة مفتوحة أكثر منه وطنا ودولة ومؤسَسات شرعية. وأكثر من ذلك، فهو منذ تأسيسه وحتى اليوم لا يعترف بمرجعية الدولة اللبنانية بل يشير بوضوح الى ايران كمرجعية أساسية له. لقد ورد في البيان التأسيسي للحزب في العام 1985 "اننا نلتزم أوامر قيادة واحدة حكيمة تتمثَل بالوليَ الفقيه الجامع للشرائط"، وفي العام 1986 قال الأمين العام لـ"حزب الله": "نحن لا نؤمن بوطن اسمه لبنان بل بالوطن الأسلامي الكبير" (النهار)، وفي العام 1987: "مشروعنا أن نعمل لتحويل لبنان مجتمع حرب"(السفير)، وفي العام 1988: "لا عجب أن ندعو الى إقامة دولة اسلامية في لبنان" (النهار). كما أن الوثيقة الجديدة للحزب في العام 2009 تؤكَد ان الدولة اللبنانية الحالية ليست الدولة "العادلة، القادرة والقوية" التي يتمنَاها الحزب، لكنه في الوقت عينه لا يساهم في أقامتها أذ أنَ تمسَكه بسلاحه يمنع الدولة من بسط سلطتها على كامل التراب الوطني، وكذلك رفضه التخلَي عن قرار الحرب ليكون في يد السلطة الشرعية يفقد الدولة هيبتها.

يمكن مما تقدَم التوصَل الى الأستنتاج الاتي: ان حزب الله ثابت في ايديولوجيته لم يغيَر فيها حرفا، قولا وعملا، وذلك على الصعد الأستراتيجية والسياسية والدينية. وهو لا يترك مناسبة الا ويعلن على الملأ استمرار ثبات هذه الحيثية غير عابئ بمن يرى فيها اعتداء سافرا على مفهوم الوطن والدولة. بينما نجد الجنرال الذي أوهمنا بـ"نضال" مشهود لدعم فكرة الدولة، يجتهد في تغطية عورات "حزب الله" مزايدا على الحزب نفسه، ومحاولا أن يثبت أمانته على "الوزنة" التي أعطاه أيَاها سيَده، فنمَاها لتصبح وزنات. لكنَ المكافأة الموعودة لن تكون بحسب ما يتمنَى ويشتهي.



اسم الكاتب(ة): الدكتور جورج شبلي
المصدر: فريق موقع القوات اللبنانية
القسم: الموقف اليوم
الخميس 29 تموز 2010, الساعة 8:47 بتوقيت بيروت
٢ عدد التعليقات
الاسم
 
البلد
البريد الالكتروني
   
Verification code
التعليق
 
 
الاسم
ناطر عالكوع
البلد
Lebanon
(40 Days Ago)
يا حضرة الدكتور الكريم إن الجنرال عون لم ينقلب على نفسه بل هذا هو الجنرال على حقيقته فعلاقته بالسوريين قديمة ومنذ عهد الرئيس الجميل إذ ثبت ان للجنرال أربع زيارات سريّة الى سوريا عندما كان قائداً للجيش ولهذه الزيارات الوقع الاكبر في مسيرة الرجل السياسية والعسكرية وهو اليوم يلعب دوره بكل فخر وإعتزاز. مرّة واحدة إنقلب عون على نفسه هو عندما أعلن حرب التحرير على السوريين وبإيعاز سوري لأخذ التأييد المسيحي في حربه هذه، لأنه من كان في ذلك الوقت يفتح النار على السوريين يكسب القاعدة المسيحية وهذا ما حصل إذ لم يكن يستطيع ضرب القوات اللبنانية لولا لم يكسب عطف المسيحيين الذين ضلّلهم من خلال حرب التحرير الوهمية والمتّفق عليها مسبقاً مع السوريين والأميركيين على السواء.
الاسم
Elie
البلد
Lebanon
(40 Days Ago)
So trueeeeeeeeeeeeeeeeee, Bravo